الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
198
نفحات القرآن
وبتعبير آخر : إنّ كل ما تقع عليه أنظارنا يخضع للنظم والعدالة ، وقد شملت هذه القوانين كل شيء ابتداءً بالمنظومات الشمسية وانتهاءً بأصغر ذرة . ومن ناحية أخرى لا يمكن استثناء الإنسان من قانون العدالة السائد بمشيئة اللَّه على جميع عالم الوجود ، ولا يتسنى له عدم الانسجام مع أجزاء الكون الأخرى لأنّ هذا الاستثناء إن وجد يكون من دون مرجح ، وبهذا ستوقِن من وجود محكمة أُعُدّت للإنسان أيضاً يحضر فيها جميع البشر ليتقاسموا حصصهم من العدالة الشاملة لكل عالم الوجود . كان علماء العقائد في السابق يستدلون بهذا الدليل لإثبات مسألة المعاد ، وكانوا يحتجّون بأمثلة من مظالم البشر التي انتهت في هذه الدنيا من دون تحكيم العدالة فيها ، فالتاريخ يحفل بكثير من الظلمة الذين عاشوا مرفهين طيلة حياتهم حتى غادروا الدنيا ، ومظلومين ظلّوا يعانون الظلم والعذاب حتى لفظوا أنفاسهم الأخيرة . فهل من الممكن أن يرضى اللَّه العادل بهذه الأمور ؟ ألا تتنافى هذه المشاهد وعدالته ؟ وهكذا يصل العلماء إلى هذه النتيجة بسهولة وهي ضرورة وجود عالم آخر لتطبيق العدالة الإلهيّة في خصوص البشر ، وفي إطار مبدأ الآية القرآنية : « فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَراً يَرَهُ » . ( الزلزلة / 7 - 8 ) وبناء على هذا فإنّ القيامة تعتبر الموضع الذي يتجلّى فيه العدل الإلهي ، وهناك يجاب عن جميع هذه الاستفهامات .